السيد محمد تقي المدرسي
165
فقه الإستنباط (دراسات في مبادئ علم الأصول)
وأضاف : « بل على ذلك الأصل يدور استنباط الأحكام الشرعية من الألفاظ الواردة في الكتاب والسنّة ، ضرورة أنّه لولا اعتباره لا يثبت لنا أنّ هذه الألفاظ كانت ظاهرة في تلك الأزمنة في المعاني التي هي ظاهرة فيها في زماننا . » « 1 » وفي كلامه نظر من وجهين : الأول : إنّ حجيّة هذا النوع من الاستصحاب ليست مطلقة ، إذ أنّ سيرة العقلاء ليست كذلك ، بل عندما يورثهم ذلك الطمأنينة والثقة ، وإنّما يحدث ذلك عند توافر شروطه ، ومنها : عدم حدوث تحوّلات كبيرة في اللغة ، ونحن في عهدنا القريب نجد المزيد من تحوّل المعاني من جيل لجيل بحيث يصعب على الثاني إدراك لغة الجيل الأوّل ، فكيف ونحن أمام أربعة عشر قرناً من الزمان وما كان فيه من تحوّلات كبرى ؟ الثاني : إنّ مجرّد توقف الاستنباط على هذا الاستصحاب لايصبح دليلًا على حجيّته . والواقع : إنّ كثافة النصوص الدينية وتراكم الخبرة في مفاهيمها عن طريق سياقاتها وقرائنها والتأثّر العميق للّغة العربية بلغة الوحي ( آيات ، أحاديث ، سيرة ) كل ذلك يجعل الفقيه المحيط بلغة الوحي في وضع يتأكّد من صحّة مايتبادر إلى ذهنه من معاني الكلمات . ومن هنا كان على الفقيه أن يكثِّف تدبّره لآيات الذكر ودراسته لمتون الروايات لكي يتعرّف على المزيد من تخوم دلالة الآيات ، كما يستوعب معاريض كلمات النبي وأهل بيته عليه وعليهم صلوات الله ، ويلتقط إشاراتهم ولحن أقوالهم ، وهكذا ننصح أنفسنا بالتمييز بين لغة العصر ولغة الوحي ، كما التمييز بين لغة المنطق والفلسفة والعرفان ولغة الوحي ، لكي يبقى الذهن صافياً وقادراً على فقه لغة الوحي وذلك بالمزيد من النظر في الآيات والروايات ، وهذا كان شأن الفقهاء السابقين رضوان الله تعالى عليهم . وقد أشرنا إلى ضرورة إتّباع هذا المنهج في مناسبات أخرى . « 2 » ثانياً : صحّة الحمل لأنَّ المتحدِّث بلغة معيّنة تتراكم عنده خبرات مكثَّفة عن معاني الألفاظ ، فإنّه عند الشك في معنى معيّن ، يمكنه أن يستفيد من تلك الخبرات بأساليب مختلفة ، منها ما ذكرنا
--> ( 1 ) المصدر . ( 2 ) راجع كتاب : بحوث في القرآن الحكيم ، و : موسوعة التشريع الإسلامي ، الجزء الثاني ، للمؤلف .